المشاركات الشائعة

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

الأب ميشال حايك - خطبة يوم الجمعة العظيمة في كاتدرائية مار جرجس

الأب ميشال حايك - خطبة يوم الجمعة العظيمة في كاتدرائية مار جرجس
نيسان     2000
طلب مني بإلحاح أن أتأمّل معكم في ماضي المسيحيين وحاضرهم ومصيرهم. لا مفرّ من الجواب عن هذا السؤال وليست المرّة الأولى التي يثار هذا الموضوع بالتأمل أمام الصليب.
        هناك مؤلف يزيد عمره عن نصف قرن عنوانه: "القصارى في نكبات النصارى" وواضعه مجهول. وهو يصحّ أن يكون عنواناً لمآسي المسيحيين في هذا الشرق، لا بل يختصر أيضاً تاريخه.
فكلمة سريانية جاءت على لسان أحد الشعراء العبّاسيين : "تاريخهم جمعة حاشوش وماشوش" أي أسبوع الآلام.
        عاشوا تاريخهم في كل زاوية من هذا الشرق، ابتداءً من يوم الجمعة العظيمة حتى مساء هذا اليوم عاشوه بالدماء والدموع والجسد والفكر والروح على هذه المسيحيّة المشرقيّة المعذّبة ولكن الظاهرة أيضاً المهانة ولكن القادرة على التغلّب على الهوان بالفرح.
        لم يقدّر لمسيحيي العالم ما قدّر لمسيحيي الشرق من نصيب كان سبب بؤسنا وعلّة مجدنا. فنحن من دون المسيحيين الآخرين بنوا هذا الأرض التي أبصرت وجه المسيح من كلمته الآرامية الأولى لغتنا الأولى. ومن عاداتنا أمثال إنجيله. وإذا اتضحت له قربى بشريّة في الدنيا، فنحن قربته ومن سيرة حياته التي هي درب صليبنا.
        لم نعطِ، نحن المسيحيين المشرقيين ما أعطيَ مسيحييو روما وبيزنطيا. لم نعط أن نغنم من العالم ملكاً ولا أن ننشئ امبراطوريّة مظفرة. بالنسبة إلى أولئك المسيحيين لا ملك ولا مجد لنا ولا عظائم في تاريخنا بل حفر في وديان وصوامع جبال وكتب صلاة مشلعة عليها اصفرار الشمع والدمع من تلك العصور.
        لم يحفظ التاريخ ذكرى شعب أصابه من المحن ما أصابنا طوال هذا الزمن وعلى مدّ هذا الشرق. لم نبكِ أحد على ضحيانا. ولم يبكِ أحداً عليها ضميراً، بل نحيي ذكرى موتانا في صمت صلاة بلغة ميت أكانت السريانيّة أو اليونانيّة القديمة لئلاّ نزعج الناس ونربك وجدانهم، لأننا لا نريد تعويضاً من أحد عن الأمس ولا ضماناً للغد من أحد. لا نشكو أحد وفتحنا دعوة على العالم كلّه.
        لا شكوى ولا ابتهال لأننا أول العارفين بما أصابنا من عذاب اختاره المسيح لنا بنعمة. فاختارنا، كما استقى لنفسه ومن شابهنا بنفسه ما ظلمنا. اختارنا كي نكون امتداداً لسيرة المسيح الآرامي يوم كان لابساً جسده الترابي النحيل. هذه هي ميزتنا الأولى، من دون بقيّة المسيحيين من روما وبيزنطيا.
        تربطنا بالمسيح صلة قربى دمويّة. لذلك، طلب إلينا أن نكمل في البقعة نفسها سيرة تجسّده، فنظلّ نتمرّس بموته ونختبر بقياماتنا فعل التجديد والقيامة، حتى يطلع من الشرق العهد الجديد ويشرق حقّاً الشرق.
رهائن للأمم
        كالمسيح الذي رهن للناس حياته كنّا رهائن للأمم، حتى الأقربين من الأمم وأحكامها الدنيويّة المتقلّبة، رهينة الفرس والرومان، رهينة البيزنطيين والعرب والعجم والأتراك والإفرنج. ندفع جزيةٍ لهذا عن هذا كلّما طالب التاريخ شعباً ما بضريبة ما عن خطأ ما ارتكبه غيره، كلّما برزت الحاجة إلى "كبش محرقة"، أشير إلينا وتطوّعنا مكرهين على البطولة.
        باسمنا، جاء الصليبييون وما استقبلناهم. فدفعنا الجزية عن مطامعهم بعدما رحلوا باسمنا، جاء البيزنطييون بلاد ما بين النهرين، فدفع النساطرة العراقييون المسيحييون جزية باهظة إلى الفرس. وباسمنا جاء الغربييون، فرنسيين وإنكليزاً، للدفاع عن مصالحهم بشعار الدفاع عنّا، فدفع هؤلاء عن هذه الغيرة المشبوهة، ضريبة قاسية إلى بني عثمان.
        نفوسنا رهينة، ما برحت منذ البدء تحنّ إلى الخلاص وتطلق دعاء المسيحيين الأولين: ”تعال يا ربّ، انقذنا، أعطنا العرفان أي الخلاص والنجاة، ونعرف أن لا خلاص لنا ممن ينبذ الشرق إلاّ متى تجلّى العهد الجديد. وإلى أن تأتي سلسلة التجّلي، نحن كالمسيح في بستان الزيتون نعيش الضيقة والنزع، نغرق دمنا ونجدد معموديّة الماء بمعموديّة الدموع. عيوننا، كما تقول صلوات القربان، حدد فيها الدمع الجاري. فهي أحواض معموديّة، بها لا نزال نختسل حتى تزول الغشاوة عن العيون فترى ما لا يرى الآن من تحقيق الوعود.
        هذا الوجه المبرح هو وجهنا المميّز، يعكس وجه المسيح المعذّب. وعبثاً نقول العكس بشيء من الاشمئزاز والهوان النفسي والفكري، لأن لنا وجهاً آخر يعكس في أعراقنا وتاريخنا ووجداننا وجه المسيح، الفرح الواسع، الشامل والجامع من حيث هو الإنسان الكامل، إبن الانسان الذي بشموله وجدنا ونشأنا وتفتّحت منّا القلوب والعقول فصرنا نحن المسيحيين أبناء الشرق لا نطمع بالحياز ملتزمةن خير الشرق ولا نرضى بانكفاء ولا نرتاح إلاّ إلى ما هو جامع وسط تفرقنا الطائفي.
        طوائفنا، أجل هي بفرقيتها عشائر بأسماء مختلفة، لكنها بمفهومها الحقيقي أمم حيّة تحمل في أعناقها أمانات وتراثات عظيمة ولا يزال أصحابها يتطلّعون كلّ ساعة إلى قبلة مصالحها.
        يتطلّع السريان والكلدان منّا إلى الرّهى والعجم والهند حتى الشرق الأقصى، ويتطلّع الموارنة إلى العاصي وقوروش وإنطاقية.. حتى الغرب الأقصى والأرثودوكس إلى القسطانتينيّة وأتينا. وقبلة الجميع هي القدس روحياً ولبنان جمالياً.
        ننتسب إلى روابط العالم الساري العتيق بما فيه فينيقية التي ما زالت معالمها قائمة وأسماء مدنها في صيدا وصور وجبيل وأفقا ورأس شمرا وأورشليم وبيروت حيث منعيش اليوم ونصلّي ونرتّل على عظام نبيها. ولنا نسبة أيضاً إلى العالم الإغريقي التي كتبة فيه أناشيدنا وربط فكراً وتاريخاً بسواحلنا فأخذنا منه وأعطينا منذ أول عهد التبادل الإنساني ثّم تجلّت الإغريقيّة في شكلها البيزنطيّ واستمرّت لغة حيّة، لغة الطقوس والعبادات والرسوم ومختلف الفنون من هندسة ورسم وأيقونات ونمنمة ولقم.
ترجمة الحكمة
ولنا نسبة بالعالم بالعربي لغة وقربى وتمازجاً وتواثقاً منذ نجران وغسان والحيرة، منذ بداية التاريخ العربي حتى بني أميّ والعبّاس. ترجمنا له أرسطو وأفلاطون وإقليدس وهوميروس والعلم والحكمة في الشام وبغداد، ورفعنا في هذا العالم العربي راية التحرر في وجه أول دخيل وأيقذنا روح القوميّة فيه، وأحيينا اللغة والفنّ فيه بعد الانحطاط. فتراثه هو منذ بدئه أيضاً تراثنا وأول خطّ كتب في الخطّ العربي الشائع وجد في زمن بالقرب من حلب في القرن الخامس وكتبه مسيحيّ. وقبالة الخطّ العربي خطّان آرامي ويوناني، هذا الرباط المثلث كنّا ولا نزال مسؤولين عنه في مؤتمر الحضارات.
        كذلك ربطنا بالعالم العربي، فلم تنقطع صلتنا به منذ الأجيال الستة الأولى للميلاد، لما نشأت جالياتنا في الغرب اللاتينيّ فكان منّا أحبار جلسوا على كرسي روما وعلّموا الغرب فنّ الرسم والموسيقى وعلى يدهم ظهرت في المرّة الأولى في المسيحيّة صورة المصلوب على خشبة. وكانت في يد البطاركة الموارنة حتى القرن الخامس عشر.
        ومن ترانيما السريانيّة، انطلقت أنماط النغم البيزنطيّ اللوغوري الأولى. وعن هندسة الكنائس في ضواحي حلب وحماه ومنبج أخذت كاتيدرائيّة نوتر دام في باريس وعشرات الكاتيدرائيات في فرنسا شكل أعمدتها.
        واستمرّت العلاقات عبر الأجيال حتى أحكمتها حوادث القرن الأخير لما فتح الغرب الأقصى وأعنيَ بذلك أميركا أبوابه أمام المشردين بالبؤس والجوع والنكبات.
        هذا كلّه تراث المسيحيّة المشريقيّة، لا تاريخ منفرداً لها لأنها روابط بين تاريخ الأمم. إذا تاريخها هو حصيلت هذا التراكم الحضاري والعنصري والروحي في الشرق المتوسطي.
        كذلك نحن هوان زمني وشرقي روحي وفكري حملنا محنة المسيح فأصبنا في خصرنا على الصليب بطعن رمح من كلّ جنديّ فاتح وتكسّرت على صدورنا نصال الرماح فوق نصالنا. لكننا حملنا أيضاً مع الهوان شرف الحضارات وفرحها، تلك التي لا يمكن أن ننقطع عن واحدة منها لأنها رباط القلب المشرقي كلّه.
        هذه الاتزامات والعطايا من غنى الشرق والغرب كانت علينا أثقالاً ألقيت على عاتقنا فحملناها كصليب. كانت عطايا وبلايا، إذ ما من نعمه إلاّ وهي في شكل صليب. فصليبنا قد يعده لنا الصليبيبون لكنه فينا ومنا أولاً. نحن وإياه حال واحدة. هو معنا أبداً إن ذهبنا ومعيننا الروحية والفكرية.
أعتق ما في الشرق
        صليبنا هو أن نحفظ الأمانات ضد الخيانات، لم يقم بيننا حقاً أحد يكمن اتهامه بخيانة عظمة، بل مصيبتنا أننا نريد أن نفي بكلّ الأمانات لكثرة ما تعددة لدينا الإلتزامات والعروض والروابط، ولإرتباطنا بأعتق ما في الشرق وأحدث ما في الغرب. تنازعتنا رياح التناقضات. وأحكمت عقدها حول عنقنا، فكلٌّ يريدنا تغريباً وتشريقاً، هذا يغرّبنا وذاك يشرّقنا، هذا يعرّبنا وذاك يجرّبنا، هذا يجرّنا إلى اليمين وذاك إلى اليسار، بينما نحن طامعون دائماً بأن نكون نحن نحن.
كنا إذا فشلنا دفعنا جزية الفشل وإذا نجحنا فرض علينا ثمن النجاح. ندفع للسماء ثمن عطايا لنا وللأرض ضريبة عن مأخذها علينا. نخدم الغرب بإخلاص ونحن غرباء عنه ونخدم الشرق بإخلاص ونحن في أهله حائرون.
وقد يربح هذا أو ذاك على حسابنا ونحن خاسرون أبداً في الدنيا، كل شيء هو حسبنا، إذ نعرف في اختبار المسيح نفسه أن كل من أراد جمع الأضداد، وضم النقائض والجدليات والحضارات والجمع بين الله والإنسان، بين اللاهوت والناسوت، هو حتماً مستمر على خشبتين متعارضين، وهناك مشلول كالمسيح، مشهود عليه زوراً متروك وحده، لكنه يقوم في أحد الأيام.
        هذه هي أوراق إعتمادنا ممهورة بالدم والدمع، فنمزقها وننفض غبار أرجلنا عن الشرق ونرحل إلى غير دار، إما نطويها ونستقيل من هذا الهمّ الروحي المبرح... هذان الرأيان قائمان في ذهنيّة المسيحيّة. ولكن، لا هذا، ولاذاك. لا الرحيل، ولا الإستقالة، علينا أن نبقى هنا، هذه أرضنا، هنا هويتنا، هنا رسالتنا.
        أن تبقى رسالة حتى لو تتصل منها المفكرين، رسالتنا هي علة وجودنا ومبرّر إستمرارنا. رسالتنا هي أرضنا الأولى ووطننا وذاتنا. من دونها عراة من أي أرض ووطن وذات. نحن هنا في هذا الشرق لنبقى، لأن الشرق، كما يعترف أشرف أبنائه لنا، يحتاج إلينا.
        كما إضطهبنا بالحقيقة بغضاً بنا، لا بل قصاصاً على تفاهتنا، كل مرة كنا فيها تافهين، لأنه يريدنا شيئاً آخر وينتظ منا شيئاً يكون في مستوى القضيّة التي يعرضها: وجودنا الشامخ وعقيدتنا المميّزة وتراثنا الواسع.
        يريدنا أن نأتي ببرهان يبرر أن شواذنا ضرورة من ضرورات الحياة. على هذا البرهان، يكون البرهان، أي على الرهان الإبداع. الإبداع وحده يسوي البرهان، وأي شواذ لا يمون إبداعاً ترفضه القاعدة عن حق، أو يسقط إستعماله فيزول.
        نحن هنا لنبقى، ولا حاجة إلى حماية مشبوهة وضمان مسوس، لأننا نعرف أن من إدّعوا حمايتنا كانوا حماة لمصالحهم. لا ضمان في هذا العالم العقوب، غير ذلك الذي نحمله في وجودنا ونحققه بأعمالنا ونظهره بإبداعنا. وفي كل حال، لسنا زبائن أحد، بل أناس يحاولون جعلهم يساهمون في عملية إنقاذ المشرق. ونحن منه، ومن خلافاته وعصبياته وأوهامه. هي نفسها لنا جميعاً ليسترد الشرق نفسه وأرضه ومكانه الحقيقي في العالم ورسالة الشرق كله إلى العالم.
        نحن هنا لنبقى، لاغرباء فيه بل أبناء. لا مقيمين، نصفهم غرباء عن هذه الأرض، ولا مهاجرين، نصفهم مقيمون فيها. هنا مقامنا. وإذ كان لنا من تغرّبٍ محتوم، ففي مستقبلات الشرق تغرّبنا. ومن هنا هجرتنا إلى ممكناتٌ عدّة.
        ولا بدّ لنا كما صنع السالفون من قبلنا من أن نمشي في الطليعة إلى فتح الإنسان الجديد. نحن هنا لنبقى، لأن لنا ما نقول، ولنا ما نؤّدي به رسالة المسيح، ولنا خدمات المسيح ولنا بعض العطايا ومفاجئات نأتي بها، أشعّة ناريّة نطلع بها على الشرق الألفين.
        فلا يحقّ لأحد أن يتوارى قبل الأوان، قيل أن تنفذ آخر لقمة من الزاد، قيل أن تسكب آخر دمعة من العيون حتى ينتهي آخر الليل.
        ولا يجوز لنا كما لا يجوز للمسيح أن نصرف الكأس عنه. أترى الكأس التي أعطاني إياها الآن لا أشربها؟ تلك كانت صلاته في الجنسمانيّة، تلك صلاتنا في الجبل اللبناني. أترى لن نشرب الكأس التي أعطانا إيها المسيح نفسه؟ لقد ذاقها حتى الثمالة قبل أن يتم كلّ شيئ ويحني رأسه ويسلّم الروح. إنها نعمة الله علينا أن يكون سلّمنا هذا القدر من القدر المجهول. لقد شابهنا بنفسه فما ظلمنا.

        نحن هنا لنبقى شهادة للشرق، شهادة على التعدّد الإنساني ودعوة مستمّرة إلى الحرّية. واختباراً للقاء الروحي وإرادة للتجدد والإبداع، لا إمتيازات لنا إلا بما نتميّز به من مبرّرات في تجميل الأرض والفكر والروح.
        وعلينا أن نشكر المسيح الذي قدّر لنا نصيب مشابهته في هذا الشرق، وجودنا فيه نعمةٌ لنا وخدمة للآخرين وشرف للعالم. 
        أعطنا يا ربّ أن نستحقّ عطاياك، وأعطنا أن نتعالى عن الأذى ونرتفع إلى مستوى ما تريدنا. وإذا أردتنا أن نتبرّى من كلّ شيئ فاحفظ لنا محبّتك ومحبّة الناس أجمعين. فكلّ شيئ فيها. آمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق